الجاحظ

85

الحيوان

والأرضة فيأكلها ، ويأكل اللّحم ، والدّجاج تأكل اللّحم والدّيدان ، وتحسو الدّم وتلقط الحبّ . والغراب لا يدع شيئا إلّا أكله . وما خرج من حدّ المشترك وهو كنحو الذّئب والضّبع ، وكنحو الشّاهين والصّقر ، فإنّ هذه وأشباهها لا تعرف إلا اللّحم . والحمام وضروب من الطير لا تعرف إلّا الحبّ والنّبات . والمشترك أجمع مما هو غير مشترك . والسّمكة تأكل الطّين والنّبات ، وتأكل الجيف التي تصيب في الماء ، وتصاد بضروب من الحيوان تجعل لها في الشّصوص « 1 » ، ثم ينصبون لكلّ ضرب من السّمك بضرب من الطّعم . والجرّيّ يأكل الجرذان ويصيدها ، وهو آكل لها من السّنانير والحيّات والكلاب السّلوقية ، ويأكل الجرّيّ جميع جيف الموتى . والسّمك يأكل السّمك ويأكل من كلّ حبّ ونبات يسقط في الماء . وإن استفهم مستفهم ، أو اعترض معترض فقال : وكيف يأكل الجرّيّ الجرذان ، والجرذان أرضيّة بيوتيّة ، والجرّيّ مائي ؟ قيل له : يخبّرنا جميع من يبيت في السّفن وفي المشارع ، في فيض البصرة عندنا ، أنّ جرذان الأنابير « 2 » تخرج أرسالا باللّيل كأنّها بنات عرس ، والجرّيّ قد كمن لهنّ وهو فاتح فاه ، فإذا دنا الجرذ من الماء فعبّ فيه التهمه ليس دون ذلك شيء ، بشجر فم واسع « 3 » يدخل في مثله الضبّ الهرم . وإنما يضع بخطمه على الشّريعة . وسنذكر شيئا من الطّرف والحكم والأشعار ، إذ كنّا قد ذكرنا من الكلام في الحيوان صدرا صالحا ، وأبوابا جامعة ، ثم نعود في ذكر الفيل إن شاء اللّه ، واللّه الموفّق . 2127 - [ شيء من الطرف والحكم والأشعار ] قال الشّاعر « 4 » : [ من الطويل ] ونحن أناس لا حجاز بأرضنا * مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب

--> ( 1 ) الشصوص : جمع شص ، وهي حديدة عقفاء يصاد بها السمك . ( 2 ) الأنابير : جمع أنبار ، وهي البيوت الكبيرة التي يجمع فيها طعام السلطان . ( 3 ) شجر الفم : مفرجه . ( 4 ) الأبيات للأخنس بن شهاب في المفضليات 206 .